محمد حسين هيكل

191

حياة محمد ( ص )

جسده روحه . وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشيّ مولى جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة ، كما قال له جبير بن مطعم مولاه وكان عمه قد قتل ببدر : إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق . روى وحشيّ قال : « فخرجت مع الناس ، وكنت رجلا حبشيّا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلّما أخطئ بها شيئا . فلمّا التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق « 1 » يهذّ الناس سيفه هذّا ، فهززت حربتي ، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه فوقعت في ثنته « 2 » حتى خرجت من بين رجليه ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ورجعت إلى المعسكر وقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة . إنما قتلته لأعتق . فلمّا قدمت مكة أعتقت » . أما المدافعون عن الوطن فكان لهم مثل في قزمان أحد المنافقين الذين أظهروا الإسلام . تخلّف عن الخروج يوم خرج المسلمون لأحد . فلما أصبح عيّره نساء بني ظفر فقلن : يا قزمان ، ألا تستحي لما صنعت ! ما أنت إلا امرأة ، خرج قومك فبقيت في الدار . فدخل قزمان بيته مغيظا محنقا فأخرج فرسه وجعبته وسيفه ، وكان يعرف بالشجاعة ، فخرج يعدو حتى كان عند الجيش والنبي يسوّي صفوف المسلمين ، فتخطاها حتى كان في الصفّ الأوّل منها ، وكان أول من رمى بنفسه من المسلمين ، وجعل يرسل نبلا كأنها الرماح ، فلمّا كان آخر النهار فضل الموت على الفرار وقتل نفسه بعد أن أصاب من قريش سبعة رجال في سويعة غير من قتل منهم بدء المعركة . ومرّ به أبو الغيداق وهو يسلم الروح ، فقال له : « هنيئا لك الشهادة يا قزمان ! » . قال قزمان : « إنني واللّه ما قاتلت يا أبا عمرو على دين . ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير قريش إلينا فتقتحم حرمنا وتطأ سعفنا ، وواللّه إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت » . أمّا المؤمنون حقّا ، وكان عددهم لا يزيد على سبعمائة يقاتلون ثلاثة آلاف فقد رأيت من فعال حمزة وأبي دجانة ما يصور لك صورة من قوتهم المعنوية ؛ قوة انثنت أمامها صفوف قريش وكأنها الخيزران ، وتراجع أمامها أبطال قريش وكانوا بين العرب مضرب المثل في الإقدام والشجاعة . وكان لواؤهم لا يسقط من يد حامله حتى يأخذه خلفه . حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل عليّ طلحة بن أبي طلحة ، فلقي مصرعه على يد حمزة . وحمله أبو سعد بن أبي طلحة وصاح : أتزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ! واللّه إنكم لتكذبون . ولو كنتم تؤمنون حقّا فليقدم منكم من يقاتلني . وضربه عليّ أو سعد بن أبي وقّاص بسيفه ضربة فلقت هامته . وتعاقب حملة اللواء من بني عبد الدار حتى قتل منهم تسعة ، كان آخرهم صؤاب الحبشيّ غلام بني عبد الدار ، وقد ضربه قزمان على يده اليمنى ، فتناول اللواء باليسرى ، فقطعها قزمان بسيفه ، فضم صؤاب اللواء بذراعيه إلى صدره ثم حنى عليه ظهره وهو يقول : يا بني عبد الدار ، هل أعذرت ؟ وقتله قزمان أو قتله سعد بن أبي وقاص ، على خلاف في الرواية . فلمّا قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء حتى أحيط بنسائهم ، وحتى وقع الصنم الذي احتملوا يتيامنون به من فوق الجمل الذي كان يحمله ومن خلال الهودج الذي كان يحتويه . ظفر المسلمين صبيحة أحد والحقّ أن ظفر المسلمين في صبيحة يوم أحد كان معجزة من معجزات الحرب ، قد يفسّرها بعضهم بمها محمد في وضعه الرّماة في شعب الجبل يصدّون الفرسان بالنبل فلا يتقدّمون ولا يأتون المسلمين من خلفهم . وهذا حقّ . ولكنه من الحق أيضا أنّ ستّ المائة من المسلمين الذين هاجموا عددا يوازي خمسة أمثالهم ، وعدّة في

--> ( 1 ) الأورق من الإبل : الآدم ، وقيل ما في لونه بياض إلى سواد . ( 2 ) الثنة : ما بين السرة والعانة من أسفل البطن .